الشراكة في الشركات الناشئة

سؤال كثيراً ما يطرح نفسه على  رواد الأعمال. هل أقوم تأسيس الشركة منفردا أم أبحث عن شريك مؤسس أو شركاء مؤسسين؟ الواقع أن ريادة الأعمال عملية شاقة و شديدة. كل من خاض تجربة ريادة الأعمال فقط لبضع شهور يعرف نوعية وكم الضغوط التي يتعرض اليها رائد الأعمال كل يوم. الكثيرين لا يظنون أن رائد الأعمال يستطيع أن يقوم بتأسيس الشركات منفردا، وأنا لا ألومهم على ذلك … ذلك أن الشريك المؤسس لا يقوم فقط بالمساهمة في الجوانب الفنية لإدارة الأعمال بل يقدم الدعم المعنوي الضروري للمؤسس الرئيسي. هناك استثناء بالطبع، فبعض رواد الأعمال وبخاصة المستقرين عاطفياً منهم يستطيعون أن يؤسسوا الشركات منفردين، لكن غالباً لا يفلح الامر وخاصة اذا كنت تؤسس شركة لأول مرة.  تلاحظ أني أهملت الجانب المادي تماماً وهذا ليس من محض الصدفة.

في البداية ومع محدودية خبرتي كنت أكثر ميلاً لتأسيس الشركات منفرداً. أول شركة أسستها منفردا ثم أغلقتها بعد بضعة أعوام بعد فشل ذريع على أغلب الجبهات فلا منتج حقيقي ظهر ولا بيع حقيقي حدث. فطنت أني محدودية قدراتي سريعاً، وهنا قررت ألا أؤسس الشركات منفرداً. بالطبع هناك من يستطيع أن يقوم بالعزف منفرداً لكنني اكتشفت أني لست واحداً من هؤلاء المحظوظين. ربما كذلك أعود للمحاولة منفرداً بعد تراكم الخبرات لكنه لن يكون قراراً يسيراً.

يجب أن تعرف كذلك أن أغلب حاضنات الأعمال لا تميل لدعم المؤسسين المنفردين. إذا كان مجالك تطوير الأعمال فإنهم سرعان ما سينصحونك بمشاركة مؤسس ذي مهارات فنية ليقوم بتطوير المنتج، أما إذا كنت أنت صاحب المهارة الفنية وستكون أنت المسئول عن تطوير المنتج، فسرعان ما سيدفعونك لمشاركة مؤسس ذي مهارة في البيع والتسويق. أما إذا ادعى أحدهم القدرة على الاثنين معاً فسيعتقد الجميع لأنه كاذب، وفي أحسن الفروض سيعتقدون أنه أحمق.

في شركتي الأخيريتين لعبت الدورين، في الشركة الأولى أساس كنت أنا مطور المنتج وكنت بحاجة لشريك ذا خبرة في الجوانب العملية حول تطوير الأعمال، بينما تبادلت الأدوار في شركة الأوسمة الرقمية، فلعبت دور مطور الأعمال لأترك تطوير المنتج لمن هو أصلح مني لتلك المهمة.

المستثمرين قد يكونوا أكثر تزمتاً في هذا الموضوع لعدة أسباب .. أشهرها أنهم لا يريدون أن يستثمروا في شخص إنما في شركة، وذلك لأن احتمال الفشل وارد ومع المؤسس المنفرد يكون  الفشل أكثر احتمالاً. ثانياً يرغب المستثمر في أن يطمئن بأن المؤسس ليس مولعاً بحب السيطرة والتحكم وأنه يتقبل مشاركة الكعكة مع غيره من المؤسسين أو المستثمرين على السواء. بلا شك لا يريد المستثمر أن يختبر مدى تقبلك للمشاركة لاحقاً بينما يمكنه أن يفعل ذلك الآن.  بالطبع يوجد استثناء، فقد يعمل المستثمرون مع المؤسسين المنفردين أصحاب الخبرة الطويلة والسمعة الحسنة، وخاصة إذا كانت لديهم استثمارات سابقة معهم من قبل.

الحقيقة أن المستثمرين لا يريدون منك فقط مشاركة الكعكة مع المؤسسين بل يريدون منك كذلك أن تمنح جزءاً من الشركة للموظفين في صورة أسهم أو خيارات أسهم لنفس السبب. أنت لا تقوم بالعمل وحدك، ومن حق من يقوم بالعمل معك أن يحصل على تعويض كاف. رغبتك في الاستئثار بالكعكة مشكلتك أنت وليست مشكلتهم.

مؤسسان أم ثلاثة أم أكثر؟ أي ذلك أفضل؟ لا توجد أفضلية. القاعدة الوحيدة السارية هي أن  يكون لكل من المساهمين نصيباً كافياً ليظل مهتماً وليظل مسئولاً.

أخيراً هناك نقطة أخرى محورية في قضية المشاركة وهي قضية نوع الشركة. الشركات الناشئة تختلف جوهرياً عن الشركات الصغيرة من حيث الاحتياجات وبخاصة البشرية. إذا أردت أن تفتح محلاً لبيع الحلويات أو شركة للدعاية والإعلان فأنت هنا تتحدث عن أعمال صغيرة أما الشركات الناشئة في مجال التقني أو الفني فتتطلب نوعاً ما من التخصص أو مهارات نادرة أو مكلفة لا يمكن الحصول عليها من خلال عروض العمل التقليدية.  

نسب المشاركة

كثيراً ما نسمع عن المناصفة كحل في مسألة المشاركة، والحقيقة أن المناصفة مشكلة وليست حلاً. دائماً ما يبدأ التفاوض حول النسب من نقطة “الفيفتي فيفتي” ونعود لها كنقطة مرجعية حال الاختلاف، بينما هي استثناء وليست قاعدة. المناصفة هي الحل فقط عندما يتساوى الطرفان في المساهمة المالية والمسئولية الفعلية وهو ليس بالشيء اليسير، فقد يكون هناك طرفاً أكثر مسئولية أو اهتماماً، وقد رأيت الكثير من الشركات يتهاوى عدم يختلف ميزان التناصف.

قد يبدأ الشركاء بنفس الدرجة من الهمة لكن الظروف تتغير، فهناك من يتزوج وهناك من ينجب وهناك من يمرض وهناك من تتغير أولوياتهم بمرور الوقت وعندما يحصل التفاوت  يحصل الشقاق. قد يتساوى الطرفان في الهمة وفي المسؤولية المادية والمعنوية لكن يختلفان في الأهداف المستقبلية كما حدث في أحد الشركات السابقة التي بدأت بها، حيث اختلفت مع شريكي في الرؤية الاستراتيجية، فبينما كنت أبحث عن عن على بناء شركة ببطء بمخاطرة أقل كان شريكي يبحث عن فرصه عالية المخاطر بمعنى آخر شركة سريعة النمو يتخارج منها سريعا. قد يبدو هذا سبباً واهياً لكن الحقيقة أن هذا النوع من الاختلاف يعني الاختلاف حول الكثير من القرارات الجوهرية مثل مسألة ادخال شركاء آخرين أو مساهمين بدرجة أسرع مما أريد مما يؤثر على العنصرين الأساسيين في إدارة الأعمال: الاقتصاديات (العوائد الاقتصادية) والتحكم.

دعك من مسألة التوافق بين الشخصيات فهي مسألة شديدة التعقيد ولا توجد معادلة رياضية خطية لحلها. إذا أردنا أن نوجز في هذه المسألة علينا أن نبحث عن شريك نحب أن نعمل معه، لكن ليس أحداً عزيزاً حيث أن ضغط العمل سيؤثر بشدة على دفء العلاقة لذلك ينصح الكثيرون بعدم مشاركة الأخوة أو الأزواج أو الأصدقاء المقربين بل واختيار من يغلب على علاقتنا معه نوع من العملية لأن اتخاذ القرار يتطلب العملية والبعد العاطفة أحياناً.

كثيراً ما أقابل مؤسساً وحيداً بحاجة ماسة لمطور برمجيات ذا خلفية فنية بينما كل هدف الشركة الناشئة تقوم على تنفيذ الفكرة وعلى ذلك المطور، وكثيراً ما أقابل مؤسسين يعانون من عدم القدرة على الاحتفاظ بمطوري البرمجيات … يا سادة مطورو البرمجيات أناس مطلوبون تلاحقهم الشركات وهناك ندرة حقيقة في الموهوبين منهم! هناك بديلان أولاً أن تحتفظ بمائة بالمائة 100% من الفكرة المجردة قيمتها السوقية صفر أو ثانياً أن تحتفظ بثمانين بالمائة 80% من شركة قيمتها مثلاً عشرة ملايين جنية مصري … لديك مطلق الحرية في الاختيار! نعم … نسبة عشرون بالمائة 20% هي نسبة متعارف عليها للشريك الفني في الشركات الناشئة. بالطبع لو استطعت أن تحصل علي مطور البرمجيات الموهوب المخلص الزاهد فهنيئاً لك كامل أسهم الشركة، لكن لو وجدته لا تحدث الناس عنه فأحدهم سيسرقه منك.

بالنسبة لأسهم الموظفين أو خيارات أسهم الموظفين فعادة ما تتراوح بين 10% و15% من إجمالي الأسهم، ويشترط الكثير من المستثمرين وضع خطط تمويل أسهم الموظفين قبل ضخ الاستثمار ضمان استمرار الموظفين في الشركة وتحفيزهم لبذل الجهد .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.